هناك على ما يبدو مفهوم محدد للسلام في ذهن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهو مفهوم له جذور في فكرة الإمبراطورية في الغرب، منذ حروب الإسكندر الأكبر التوسعية ضد الإمبراطورية الفارسية القديمة وتأسيس الإمبراطورية الرومانية، أو ما يعرف في الأدبيات المختلفة بالسلام الروماني (باكس رومانا)، والتي تعني أيضًا هيمنة الإمبراطورية الرومانية التي تشير إلى فترة طويلة من السلام والاستقرار النسبيين، استمرت لنحو 206 سنوات، فيما بين عامي 27 قبل الميلاد وحتى عام 180 ميلادية، والتي تعد أحد أطول فترات السلام استمرارية في تاريخ البشرية. في هذه الفترة حققت الإمبراطورية الرومانية أكبر نطاق إقليمي لها، وسيطرت على نحو 70 مليون شخص هذه النظرية امتدت ووجدت تطبيقات لها على نطاق عالمي مع صعود النظام الرأسمالي في أوروبا وتوسعه عالميًا اعتبارًا من النصف الثاني من القرن السادس عشر والتي بلغت ذروتها في الحقبة الاستعمارية التي والتي جسدتها الإمبراطورية البريطانية، التي لا تغيب عنها الشمس، وتأسيس ما يعرف بالسلام البريطاني (باكس بريتانيكا)، والتي شهدت أيضًا فترة من السلام النسبي بين القوى العظمى، أصبحت خلالها الإمبراطورية البريطانية القوة المهيمنة العالمية ولعبت دور "شرطي العالم"، والتي استمرت فيما بين عامي 1815 و1914، أي ما يقرب من مائة عام، لذا يُشار إلى هذه الفترة باسم "القرن الإمبراطوري" لبريطانيا. وعلى الرغم من تقلص المدة الزمنية للسلام البريطاني – مائة عام مقابل 206 أعوام، إلا أنها شهدت سيطرة على مساحة أكبر من الأرض، إذ كانت تسيطر على 26 مليون كيلومتر مربع تمتد من استراليا في أقصى جنوب الشرق إلى الولايات المتحدة في أقصى الشمال الشرقي من الكرة الأرضية، وسيطرت على ما يقرب من 400 مليون شخص.
السلام بهذا المعنى يعني القضاء على أي خصم يناوئ إرادة القوة المهيمنة أو يتحداها، الأمر الذي يعني بالضرورة الدخول في حروب واسعة ضد الخصوم وتدميرهم واحتلال مساحات كبيرة من الأرض والسيطرة على أعداد أكبر من البشر تتيح للقوة الإمبراطورية فرض قوانينها العامة على المجتمعات البشرية، الأمر الذي يربط فكرة السلام بالهيمنة الإمبراطورية. والهيمنة كمفهوم يتحقق عندما تقتنع الشعوب الخاضعة للسيطرة بشرعية القوة المهيمنة ومشروعيتها. وبهذا المعنى تتمتع القوة الإمبراطورية المهيمنة بوضع شبيه بوضع الحكومة الوطنية وفق نظريات السيادة الوطنية، فيما عدا الاحتكار المشروع لسلطة الإكراه، إذ تظل سيادة الدولة مستندة إلى احتكار السلطة الوطنية لمبدأ الإكراه، الذي بات يعني إنفاذ القانون واستخدام القوة القاهرة في مواجهة مواطنها، وكذلك في قدرتها على شن حروب، دفاعية كانت أم عدوانية، ضد الخصوم الخارجيين وحقها المشروع في امتلاك القوة العسكرية اللازمة لردع الخصوم والدفاع عن الدولة. والتفتت الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفيتي إلا ضرورة تدخلها في كثير من الأزمات الدولية والداخلية في كثير من دول العالم، وأن تمتلك الأدوات التي تمكنها من التدخل من خلال تحالفات أو منفردة، وهذه الفكرة ظلت راسخة في مفهوم السلام الأمريكي، بعد الحرب العالمية الثانية.
أمريكا وحلم الإمبراطورية العالمية
على الرغم من أن فترة السلام التي أعقبت عام انتهاء الحرب العالمية الثانية، استندت إلى حقيقة توازن الرعب النووي، الناجم عن امتلاك القوى الكبرى السلاح النووي الذي دفعها إلى تجنب أي مواجهة عسكرية مباشرة لأن ستؤدي إلى مواجهة نووية تدمر العالم، إلا أن هذه الفترة شهدت أيضًا، في العالم الغربي، وفي نصف الكرة الغربي، بشكل خاص، نوعًا ما من السلام الأمريكي (باكس أميركانا) الذي يستند إلى القوة العسكرية والاقتصادية والسياسية للولايات المتحدة، إلا أن هذا السلام لم يتجسد بشكل كامل، لأن الولايات المتحدة لم تكن تملك سلطة فرض السلام الأمريكي، ولأن "السلام الأمريكي لا يمكن تحقيقه بالقوة العسكرية"، حسبما قال الرئيس جون كينيدي، الذي اغتيل في عام 1963، بعد عامين فقط من توليه الرئاسة. لكن الولايات المتحدة عوضت ذلك بتبني فكرة التدخل في أي قضية ذات صلة بها، وبنشر قوات بشكل دائم في أوروبا، وفي مناطق أخرى من العالم لتأكيد النفوذ العالمي للولايات المتحدة. لكن حلم تأسيس إمبراطورية أمريكية عالمية تفرض السلام الأمريكي (باكس أميركانا)، ظل يراود الإدارات الأمريكية المتعاقبة، وشهد دفعة بعد انهيار حلف وارسو وتفكك المعسكر الاشتراكي وتفكك الاتحاد السوفيتي ذاته في العقد الأخير من القرن العشرين وخروج الولايات المتحدة من الحرب الباردة كقوة عظمى وحيدة وبروزها كقوة تكنولوجية وعسكرية واقتصادية. هذا الحلم رواد الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء، وإن اختلف أسلوب الحزبين الرئيسيين في السياسة الأمريكية لتحقيقه.
دخلت فكرة الإمبراطورية الأمريكية التي تحقق السلام العالمي مرحلة جديدة مع إدارة الرئيس الجمهوري دونالد ترامب، الذي تبنى سياسات أكثر جرأة على الصعيد الخارجي، على النحو الذي تجلى في حصار فنزويلا واعتقال رئيسها نيكولاس مادورو في الثالث من يناير الماضي بعد ضغوط استمرت لشهور وانتهت بحصار الدولة واعتقال الرئيس على أيدي قوات أمريكية في سابقة هي الأولى، ثم من خلال الحرب التي شنتها بالاشتراك مع إسرائيل على إيران في مطلع الأسبوع واستهداف قياداتها السياسية والعسكرية، في انتهاك صارخ، ليس فقط وفق قواعد القانون الدولي، وإنما أيضا للقانون الأمريكي الذي يحظر استهداف القادة السياسيين في دول أخرى أثناء الحرب. الهدف الذي تسعى واشنطن وإسرائيل لتحقيقه هو القضاء على السياسيين الخصوم لتحقيق للسلام وفقا لمفهوم للسلام من خلال القضاء على الخصوم أو إضعافهم واحتكار القوة المسلحة، والتحكم في قرار الحرب أو السلم. وهذا المفهوم راسخ في فكر زعماء إسرائيل، لاسيما في قوى اليمين السياسي والعقائدي، كما تجسده "خطة الحسم"، التي وضعها في عام 2017، بتسلئيل سموتريش، زعيم الحزب الديني القومي – الصهيونية الدينية. وتطبق حكومة بنيامين نتنياهو التي تضم حزب الليكود والأحزاب اليمينية الأشد تطرفًا في تاريخ إسرائيل، هذه الخطة وتسعى لفرض حل الدولة الإسرائيلية الواحدة كحل نهائي للصراع مع الفلسطينيين، رغم استقالة سموتريش، من منصبه كوزير للمالية حتى عام 2025.
السيطرة على العالم تبدأ من الشرق الأوسط
على الرغم من أن الفكر الإمبراطوري الأمريكي والغربي يشمل العالم كله، إلا أن منطقة الشرق الأوسط لا تزال في قلب أي تصور إمبراطوري عالمي، وهو ما تنبه إليه عالم الجغرافيا والسياسة البريطاني السير هالفورد جون ماكندر، عندما صاغ نظرية الجزيرة العالمية وقلب العالم، التي أشرت إليها في مقال سابق. في هذا السياق يمكن فهم السياسة الأمريكية الراهنة تجاه إيران. الحد الأدنى المتفق عليه بين واشنطن وتل أبيب هو توجيه ضربة عسكرية تؤدي إلى تغيير النظام القائم في إيران، لكن هناك خلاف بين الطرفين فيما يعنيه تغيير النظام. فإسرائيل تحلم بأن يحل محل النظام الحالي نظام شبيه بنظام الشاه الذي أطاحت به ثورة 1979، كحد أدنى. تجدر الإشارة هنا إلى أن سيطرة رجال الدين الشيعة بعد ثورة عام 1979، جرى بتشجيع من إدارة الرئيس جيمي كارتر الديمقراطية في ذلك الوقت، أملًا في أن يشكل النظام الديني العقائدي تهديدًا للاتحاد السوفيتي جنوبي منطقة البطن الرخوة للدولة السوفيتية، وفق النظرية التي وضعها زبجنيو برجينسكي، مستشار الأمن القومي لإدارة كارتر. وجاء الرد السوفيتي على هذا التصور بغزو أفغانستان لدعم النظام المتحالف مع موسكو في مواجهة مد إسلامي مسلح متزايد. وردت واشنطن على الغزو السوفيتي بدعم المجاهدين الأفغان وتطوير هذا الدعم من خلال مشروع "للجهاد الإسلامي" الذي انخرطت فيه قوى إقليمية حليفة لأمريكا. وشكل الحدثان معًا ملامح التطورات اللاحقة التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط وشهدها العالم، خصوصًا بعد بروز تنظيم القاعدة، وهجمات 11 سبتمبر عام 2001، وإعلان الحرب العالمية على الإرهاب.
لقد كانت ثورة 1979 الإيرانية وما أعقبها من تطورت نقطة تحول في السياسات الإقليمية والعالمية، فقد ترتبت على هذه الثورة تداعيات على السياسات في الخليج وفي منطقة الشرق الأوسط وأيضًا على السياسات الداخلية في تلك الدول، حيث أعطت هذه الثورة زخما لتيارات الإسلام السياسي، بما في ذلك بعض الجماعات السلفية الجهادية، التي رأت في القيادة الجديدة في إيران داعما لها في صراعاتها على السلطة في البلدان العربية والإسلامية. كذلك وجدت هذه الجماعات دعمًا من الولايات المتحدة في سياق سياستها التقليدية التي كانت ترمي إلى حشد الدول الإسلامية في خططها لمواجهة الاتحاد السوفيتي وسياساته في المنطقة والعالم، وترتب على هذا الدعم المزدوج لأحزاب وفصائل الإسلام السياسي، والذي انخرطت فيه قوى إقليمية معادية لإيران، مثل مصر والسعودية والعراق والدول السنية الأخرى، أو في بروز جماعة حزب الله كقوة مسلحة شيعية، بدعم إيراني وبمساعدة من نظام الرئيسي السوري بشار الأسد بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان في عام 1982. وفي الحالتين كان نجاح رجال الدين الشيعة في السيطرة على إيران ما بعد الشاه وإعلان الجمهورية الإسلامية في إيران، أن أعطت دفعة كبيرة للإسلاميين على المستويين الوطني والإقليمي، قبل أن يصبحوا مع تطور تنظيم القاعدة قوة فاعلة على الصعيد العالمي، لاسيما بعد هجمات سبتمبر وما ترتب عليها من حرب على الإرهاب.
بعد انتهاء الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفيتي وتحولت الولايات المتحدة إلى توظيف قوى الإسلام السياسي في سياساتها ضد روسيا والصين، من خلال دعم الانفصاليين في الشيشان وفي الجمهوريات والأقاليم الروسية التي تتركز فيها أقليات إسلامية، أو في إقليم شينجيانغ في شرق الصين، وربما في مناطق أخرى مثل القرن الإفريقي. لكن دخول قوى أخرى على خط توظيف هذه القوى ضد المصالح الأمريكية، زاد المشهد تعقيدًا على النحو الذي رأيناه في أعقاب الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003، مع اكتساب فصائل السلفية الجهادية زخمًا أكبر في سياق الحرب التي أعلنتها واشنطن في أعقاب هجمات سبتمبر على هذه الفصائل تحت شعار "الحرب على الإرهاب"، واستفادت هذه الجماعات من العداء واسع النطاق للسياسات الأمريكية في مناطق كثيرة من العالم.
الاستسلام التام أو الحرب
يُذكّرنا المشهد الراهن الخاص بإيران بما حدث مع العراق بعد إقدام صدام حسين على غزو الكويت في الثاني من أغسطس عام 1990، والذي أطلق عملية استمرت 13 عامًا لتغيير النظام في العراق، وتبني الولايات المتحدة استراتيجية تجمع بين المفاوضات والإبقاء على خيار الحرب، وتمزج فيها بين الأدوات الدبلوماسية والحصار الاقتصادي والعقوبات والقوة المسلحة. من يحلل جولات المفاوضات التي سبقت حرب تحرير الكويت في عام 1991، وتلك التي سبقت غزو العراق في غام 2003، يجد أوجه شبه كثيرة بما حدث مع إيران، من حيث تسليمها شروطًا أمريكية، من خلال المفاوضات، يعني قبولها الاستسلام والإذعان للإرادة الأمريكية، وهو أمر يصعب على أي نظام سياسي قبوله، انطلاقا من فرضية وجود فرصة لتصعيد المواجهة إلى حرب إقليمية واسعة النطاق، مما يزيد من كلفة الحرب على الولايات المتحدة وحلفائها. حدث هذا في عام 1991، عندما أطلق صدام حسين صواريخ باليستية وصلت إلى عمق إسرائيل، التي استجابت للطلب الأمريكي بعدم الرد من أجل الحفاظ على التحالف الدولي العربي الذي يحارب العراق والذي تشكل بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وفوتت بذلك فرصة تصعيد حرب الكويت وتوسيعها. لكن هناك درجة أكبر من المصداقية للتهديدات الإيرانية بتوسيع الحرب لتصبح حربًا إقليمية أوسع، قد تمتد إلى ما وراء المنطقة، على النحو الذي أظهرته التطورات خلال بعد مرور أربعة أيام على الحرب، على الرغم من الضربات التي تلقاها حزب الله المدعوم من إيران في جنوب لبنان وخسارتها سوريا بعد استيلاء فصائل إسلامية سنية معادية لها على السلطة في ديسمبر عام 2024.
قد تشجع الحرب التي استمرت 12 يومًا بين إسرائيل وإيران وانتهت بتوجيه ضربة عسكرية أمريكية لإيران استهدفت منشآت نووية، وكذلك المظاهرات المناهضة للنظام الإيراني على توجيه ضربة أكثر تركيزًا تستهدف مراكز السلطة في إيران حسبما تكشف تقارير إعلامية على النحو الذي يظهر من خلال تحليل الحشد العسكري الأمريكي في المنطقة، الذي يعد الأضخم إلى الآن. ربما المتغير الجديد هو أن حكومة نتنياهو قد يكون لها مصلحة في تصعيد المواجهة مع إيران إلى حرب إقليمية تتورط فيها أطراف أخرى على نحو يمكنها من تنفيذ مخططات للتهجير أو التصعيد العسكري ضد لبنان وسوريا وربما ضد مصر، إذ تشير تقارير إسرائيلية إلى نشاط حماس في سيناء، فضلًا عن اشتعال حروب وصراعات أهلية أحدث انقسامات كبيرة فيما بين القوى الإقليمية، يجعل أغراء توسيع الحرب وإطالة أمدها خيارًا أمثل للقيادة الإيرانية التي اتخذت على ما يبدو خطوات استباقية للتعامل مع الحرب.
كشفت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية قيل يومين من الحرب عن تفاصيل داخل دوائر الحكم في إيران، تشير إلى الاستعداد للتعامل مع سيناريو الضربات العسكرية الأمريكية، بما في ذلك سيناريو الاغتيالات السياسية الذي اعتبرته احتمالًا واقعيًا وقريبًا لا مجرد تهديد إعلامي أو حرب نفسية، بإعادة ترتيب هرم السلطة ووضع آليات دقيقة لضمان استمرار النظام في حال تعرض القيادة العليا للاستهداف، بما في ذلك احتمال اغتياله شخصيًا. وتقوم هذه الخطة على مبدأ أساسي، استمرار الدولة حتى لو تم القضاء على القيادة العليا دفعة واحدة، وذلك بوضع أربعة بدائل متتالية لكل منصب عسكري أو حكومي، وإلزام جميع القيادات بتسمية خلفائهم بشكل فوري وسري، وتفويض صلاحيات اتخاذ القرار لدائرة ضيقة من المقربين في حال انقطاع الاتصالات مع المرشد، وإعداد آلية عمل لإدارة الدولة في ظروف “انهيار القيادة”. وتشير قدرة إيران على شن هجمات محسوبة ومدروسة على أهداف خارجها وبعيدة، رغم الاغتيال المفاجئ للمرشد ولكبار الزعماء السياسيين ورجال الدولة والقيادات العسكرية في أول أيام الحرب، وعلى نحو أقنع واشنطن وتل أبيب بصعوبة تحقيق خطتهم الأمر الذي دفع الدولتين إلى التفكير في بدائل أخرى تشمل الغزو البري والتحريض على إشعال حروب داخلية مريرة وعنيفة داخل إيران اعتمادًا على الأقليات العرقية والقومية، حسبما كشفت تقارير بخصوص تحريضه الأكراد الإيرانيين المتمركزين في شمال العراق وعيرهم من جماعات عرقية أخرى في إيران.
تقييد القدرة على شن الحرب والفوضى القادمة
نتعلم من التاريخ أن مثل هذا النوع من السلام المفروض بقوة السلاح على الشعوب، ليس فقط سلامًا هشًا، بل إنه السلام الذي يُنهي كل سلام وأي سلام. حدث هذا في الشرق الأوسط بشكل خاص. وما الصراعات الراهنة التي تعاني منها المنطقة سوى ثمرة من ثمار هذا التصور الإمبراطوري للسلام المفروض بقوة سلاح الطرف المنتصر في الحرب. إن درس فرساي الذي تعلمته أوروبا بثمن فادح بعد الحرب العالمية الأولى بفرض شروط مذلة على ألمانيا، لم يستحضره ترامب على ما يبدو في تعامله مع إيران. وإذا ما نظرنا إلى تقلص فترة السلام الأمريكي مقارنة بالسلام البريطاني وبالسلام الروماني، نلحظ تقلصه، بل إن الحروب بالوكالة التي نشبت في مرحلة الحرب الباردة وما بعدها، وانفجار الصراعات في العالم، في أعقاب الحرب الباردة، إذ شهد العالم تصاعدا في الصراعات بأشكال مختلفة وبمستويات مختلفة من الشدة، على نحو أظهر ضعف وهشاشة ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الثانية والتشكيك في فاعلية وتأثير الأمم المتحدة، الأمر الذي شجع ترامب على الإعلان عن أطماعه وطموحاته الإمبراطورية، وسعيه للالتفاف على أي عقبة قد تقف في طريقه حتى لو كانت هذه العقبة تتمثل في الدولة العظمى التي يرأسها الآن وتقاليدها الديمقراطية. هذا الطموح واضح من خلال مشروع مجلس السلام العالمي الذي لا تقف حدوده عند قطاع غزة، والذي يمنح نفوذه العالمي استمرارية حتى بعد انتهاء مدة رئاسته لأمريكا، سواء عن طريق الانتخابات أو لاستنفاد مدتيه الرئاسيتين. لكن السؤال هل يتحمل العالم الفوضى التي تحدثها سياساته، التي لا يجد حليفًا مساندًا، سوى الحكومة الأكثر تشددًا في إسرائيل.
في عام 2011، حذرت كوندوليزا رايس، وزيرة الخارجية الأمريكية في عهد الرئيس الجمهوري جورج بوش من خطورة التداعيات التي قد تترتب على سقوط حكم الرئيس بشار الأسد في سوريا، وتوقعت أن تؤدي الإطاحة بحكم بشار الأسد قد يعني تغير الشرق الأوسط الذي ألفه العالم عد انتهاء الحرب العالمية الثانية. لم تكن المشكلة بالنسبة للمرأة التي روجت لفكرة "الفوضى البناءة" والتي يسود الاعتقاد بأنها كانت تسعى لإعادة رسم حدود الدول من خلال التفتيت والتفكيك، في التغيير، وإنما كانت في عدم وجود ترتيبات بديلة، تحقق المصالح الأمريكية، وأمن إسرائيل باعتباره المصلحة الأمريكية الأولى والثابتة. هذا الغياب للترتيبات البديلة التي تستند إلى معطيات على الأرض تضمن قابلية تحققها، سمة مميزة للسياسات الأمريكية في المنطقة على النحو الذي توضحه الكثير من الأحداث الرئيسية التي شهدتها في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وتدخلها في شؤون دوله لترتيب مصالحها فيه مع صعود حركات التحرر الوطني، وتفكك الاستعمار القديم. لقد نجحت الولايات المتحدة على مدى عقود في تحقيق مصالحها، من خلال إدارتها للصراعات في المنطقة، لا حسمها. السؤال الآن، هل تراجعت واشنطن عن منطق إدارة الصراع انتقلت إلى السعي لحسم الصراع لصالح إسرائيل، بما يتماشى مع خطة الحسم التي وضعها سموتريش؟ وهل في مقدروه بالفعل حسم الصراع التاريخي الممتد بالقوة المسلحة؟ في تقديري، فإن المشكلة ليست في تصور حسم صراع معقد، وإنما المشكلة في وهم الإمبراطورية الذي يلهب حماس زعيم شعبوي يبحث عن أنجاز تاريخي في زمن تجاوز منطق الإمبراطورية.
---------------------------------
بقلم: أشرف راضي






